الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
73
نفحات الولاية
القسم الأول « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ ! هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، أَحَقُّ وَأَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ ، لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلًا . خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ ، وَلَا مَشُورَةِ مُشِيرٍ ، وَلَا مَعُونَةِ مُعِينٍ ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ ، وَأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ ، فَأَجَابَ وَلَمْ يُدَافِعْ ، وَانْقَادَ وَلَمْ يُنَازِعْ » . الشرح والتفسير : درس في معرفة اللَّه ذكرنا آنفاً أنّ الإمام عليه السلام استهل هذه الخطبة بحمد الذات الإلهيّة المطلقة وبيان صفاتها الجمالية والجلالية ، فأشار بادىء ذي بدء إلى معرفة كنه ذات اللَّه فقال : « الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ « 1 » الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ ، وَرَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ ، فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً « 2 » إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ ! « 3 » » . والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا عجزت الأوصاف عن معرفة كنه الذات
--> ( 1 ) . « انحسرت » من مادة ( حسر ) على وزن قصر ، تعني في الأصل العري ، ثم استعملت بمعنى الضعف والعجزحيث يتعرى الإنسان في هذه الحالة من قواه ( 2 ) . « مساغ » من مادة ( سوغ ) بمعنى سهولة الأكل والشرب ثم أُطلقت على كل مسير سهل ، وهذا هو المعنى المراد في العبارة ( 3 ) . « ملكوت » من مادة ( ملك ) على وزن قفل ، بمعنى الحكومة والملكية ، وإضافة الواو والياء تفيد التأكيد والمبالغة وإن استعملت بشأن اللَّه تبارك وتعالى فإنّها تفيد حكومته المطلقة على العالم قاطبةً